الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
304
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ولا يبقى ثمة مجال للشك . ولكن بالرغم من هذا فإن مجموعة عصاة لم يؤمنوا أبدا : وكان الإنسان أكثر شئ جدلا . " صرفنا " من " تصريف " وتعني التغيير والتحول من حال إلى حال . الهدف من هذا التعبير في الآية أعلاه هو أننا تحدثنا مع الناس بكل لسان يمكن التأثير به عليهم . " جدل " تعني محادثة الآخرين على أساس المنازعة وإظهار نزعة التسلط على الآخرين . ولهذا فإن ( المجادلة ) تعني قيام شخصين بإطالة الحديث في حالة من التشاجر ، وهذه الكلمة في الأصل مأخوذة - وكما يقول الراغب في المفردات - من ( جدلت الحبل ) أي ربطت الحبل بقوة ، وهي كناية عن أن الشخص المجادل يستهدف من خلال جدله أن يحرف الشخص الآخر - بالقوة - عن أفكاره . وقال آخرون : إن أصل ( الجدال ) هو بمعنى المصارعة وإسقاط الآخر على الأرض . وهي تستعمل أيضا في الدلالة على الشجار اللفظي . في كل الأحوال ، يكون المقصود بالناس في الآية هم تلك الفئة التي لا تقوم في وجودها وممارساتها على أصول التربية الإسلامية وقواعدها ، وقد أكثر القرآن في استعمال هذه التعابير ، وقد شرحنا هذه الحالة مفصلا في نهاية الحديث عن الآية ( 12 ) من سورة يونس . الآية التي بعدها تقول : إنه بالرغم من كل هذه الأمثلة المختلفة والتوضيحات المثيرة والأساليب المختلفة التي ينبغي أن تنفذ إلى داخل الإنسان المستعد لقبول الحق ، فإن هناك مجموعة كبيرة من الناس لم تؤمن : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أي مصير الأمم السالفة : أو يأتيهم العذاب قبلا ( 1 ) فيرونه بأم أعينهم . إن هذه الآية - في الحقيقة - إشارة إلى أن هذه المجموعة المعاندة والمغرورة
--> 1 - ( قبل ) تعني ( التقابل ، بمعنى مشاهدة العذاب الإلهي بالعين ، بعض المفسرين كالطبرسي في مجمع البيان ، وأبي الفتوح في روح الجنان ، والآلوسي في روح المعاني احتملوا أن تكون ( قبل ) جمع ( قبيل ) وهي إشارة إلى الأنواع المختلفة من العذاب ، إلا أن المعنى الأول أقرب حسب الظاهر .